السبت، 13 سبتمبر 2025

بين القصبة والعارضة اللوحة الاولى

_عمر الصائغ - القصبة

_السبت 21 ربيع الاول 1447هـ

_ السلام عليكم: وانا اقلب في مدوناتي وقعت على مسودة توثيق كتبتها عام 2019م، عن بعض قدامى طلبة القصبة الذين درسوا قديما في مدرسة العارضة الابتدائية، وهم من الجيل الثاني الذين ادركوا التعليم النظامي، اما الجيل الاول جيل (مدارس القرعاوي) فقد دونت عنه في كتاب: قصبة العبادل تاريخ واهازيج وشجن، وعن جيلنا سادون لاحقا ان شاء الله سواء من خلال الجزء الثاني من الكتاب اذا يسر الله اتمامه ونشره، اومن خلال المقالات والخواطر المتتابعة.

_ المهم عندما قرات مسودة المقال الذي تاه مني في زحمة المدونات، وجدت ان بعض من تحدثت عنهم وهم احياء قد انتقلوا الى ربهم فنسال الله لهم الرحمة وان يجمعنا بهم في جنته.

_ لم اشأ ان اغير واجدد في المقال حتى لايفقد شيئا من رونقه وجماله، فقط اضفت له مقدمة توضيحية.

وسنبدا ونختم بالمثل الشعبي القائل: اما تحارب وانت قاحي، والا لا تتعب امفراعة !

_ لاتحسب المجد تمرا انت آكله .. لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا - من طلب العلا سهر الليالي - العلم نور - بعض مقولات كانت رائجة في زماننا وماقبله وكانت شعارا ملازما لطلبة العلم يتسلون بها عن مشقة تحصيله في ذلك الزمان! ولعل قدامى طلاب مدارس العارضة يقرأون هذه العبارات ويتخيلونها على حوائط المبنى القديم بخط مديرها الراحل الاستاذ: محمد احمد الوزير رحمه الله.

_ كبقية القرى في منطقتنا الحبيبة لم تكن القصبة واهلها بدعا في ذلك الزمان، حيث مروا بنفس الظروف والمشاق التي قاساها ابناء القرى الاخرى، لكن  قلة قليلة استفادت من الجيل الذي سبقها وتمكنت من اقتناص بعض فرص التعليم النادرة جدا، كان اهم ميادينها واشهرها مدارس الشيخ القرعاوي رحمه الله في الستينات والسبعينات الهجرية من القرن الماضي، وتمكن بعضهم من نقل تلك المعرفة والشغف للجيل الذي يليهم على سبيل المثال الشيخ محمد جابر حسين الحربي، وامام جامع القصبة الشيخ محمد احمد سلمان اللغبي، وامام جامع دبير الراحل الشيخ محمد كردم العبدلي وغيرهم،الذين استفادوا منها ثم عملوا معلمين معه في المساجد لابناء قرى العبادل وغيرها.

ومع توسع التعليم النظامي ودمج مدارس القرعاوي ضمنه زادت المشقة على بعض الطامحين لاكمال تعليمهم لان فتح المدارس الحكومية اقتصر على المدن والمراكز الكبيرة فمحافظة العارضة على اتساعها لم يكن بها سوى مدرسة العارضة الابتدائية تاسست ١٣٧٥هـ وان كان قد تم لاحقا فتح مدارس في اماكن اخرى لكنها على فترات زمنية متباعدة ومتأخرة بسنوات .

_ كان الذهاب الى مدرسة العارضة للدراسة فيه مشقة كبيرة على ابناء القرى لقلة ذات اليد وصعوبة المواصلات، الا ان بعض القادرين اومن كان لهم اقارب ومعارف في العارضة حظوا بفرصة تعتبر نادرة للتعليم في ذلك الوقت فمن القصبة اذكر منهم الاخ: عبدالله صالح مهدي العبدلي ومحمد هادي حسين الحربي من قرية قائم الغبرا، وذكر لي الاخ والصديق العزيز: عقيل محمد سامر سحاري عندما اطلع على موضوع جبل فقاع حياك الحيا، انه يعرف ذلك الجبل وتلك الاماكن شبرا شبرا، عندما كان يقطعها مشيا على الاقدام مع اخيه احمد، في طريقهما من الملحي الى العارضة للدراسة الابتدائية فلا ادري هل هذا يدل على ان الخشل لم يكن بها مدرسة؟ لانها ربما تكون اقرب لهما! وقد افادني بنعم لم يكن بها مدرسة، كما افادني الاخ الاستاذ علي قشيشي من سكان الخشل ان مدرستهم تاسست عام ١٣٩٢هـ، واكمل الاخ عقيل  انه حينما حصل على الشهادة الابتدائية عام ١٣٩٦هـ، شعر وكانه حصل على الشهادة الجامعية.

_ عموما كانت المواصلات المتاحة لهم اما مشيا على الاقدام او ركوبا على الحمير، حيث يمضون اسبوع الدراسة في العارضة عند معارفهم اوفي سكن مستأجر اوقد تتسع لهم بعض النفوس الكريمة فيكفلونهم في منازلهم بذلا للمعروف وطلبا للاجر.

 _ ذكر لي الاخ عبدالله صالح العبدلي: انه في البداية كان يذهب للمدرسة يوميا ويعود للقصبة على حمار.

 وفي احد الايام يقول؛ كان لي زميل اسمه عبده شبان، كان صهرا للامير: سليمان العبدالله البشري رحمه الله، دعاني معه في الفسحة للفطور (الفصوخ)* بمنزل الاميرالمجاور للمدرسة، وبينما كنا ناكل دخل الامير علينا واثناء الحديث سالني من اين؟ فقلت له من القصبة، وعندما سالني اين اسكن؟ قلت له اني اداوم واعود بشكل يومي، فرأف بحالي واصر على ان اسكن معهم بالمنزل  محمولا مكفولا، حتى انه كان يعاملني كاحد اولاده، وقال اذكر انه في عام ١٣٨٩هـ او ١٣٩٠هـ كان قد نُقل اميرا لمركز فيفا، وكنت احتاج بعض النقود وطلب معين من فيفا، فكتبت له خطابا مع احد عماله واسمه (عبده مستباني)، كان مضمونه : بعد السلام والتحية والدي العزيز الامير سليمان البشري، اشعركم باني محتاج كذا وكذا ومحتاج عشرة ريالات، فرد علي بخطاب، ولدي عبدالله صالح العبدلي يصلك طلبك والعشرة ريالات مع العامل - والدكم سليمان البشري.

_ هل تتخيلون كم كانت تساوي الـ(10) ريالات في ذلك الوقت ....؟!

_ كان اولئك الطلبة، في نهاية الاسبوع يعودون الى اسرهم بعد نهاية دوام يوم الخميس حيث كانت الاجازة يوم الجمعة فقط .

_ اخونا الراحل حسن احمد جابر العبدلي كان احد المجيدين للقراءة والكتابة واحد اولٰئك  المثابرين في البحث عن فرصة لاكمال تعليمه، فكيف وجدها؟!

_ قال لي الاستاذ عبدالرحمن محمد نصيب الزهراني : عندما كلفت عام ١٣٩٣هـ بادارة مدرسة القصبة الابتدائية المستحدثة اخذت زملائي وكانوا ثلاثة واستاجرنا سيارة الى القصبة وصلنا اليها بعد معاناة الطريق عند وقت صلاة العشاء وتوقف بنا سائق السيارة عند جامع القصبة، غرباء لاندري ماذا نفعل ولا اين ننزل، فظهر لنا بعد لحظات العم احمد جابر والد الاخ حسن، سلم علينا وسالنا عن وجهتنا فاخبرناه بامر افتتاح المدرسة فاستغرب هو ومن حوله وتفاجأوا بالخبر !

لكنه رحب بنا واستضافنا بمنزله لعدة ايام قمنا فيها بتسجيل الطلبه بواسطته هو والشيخ محمد جابر حسين الحربي وبقية المشائخ والاعيان الذين وقفوا معنا حتى تم بناء اربعة فصول من العشش وبدأت الدراسة وانتظمت اعمالنا ومع مرور الوقت تعرفنا على شباب واهالي القصبة بشكل اكبر حيث كان بعضهم يقرأ ويكتب ومنهم الاخ حسن احمد فسالته لماذا لاتكمل دراستك لتحصل على الشهادة الابتدائية؟ فرحب بالفكرة ولكن كيف ؟ فاشرت عليه بنظام المنازل في مدرسة العارضة، وبما اني عملت معلما بها في العام السابق واعرف معلميها نصحته بالذهاب اليهم بطلب تقييم لمستواه وتحديد السنة الدراسية التي يستحقها وبعد التقييم كان مستواه يؤهله للبدء من الصف الرابع الابتدائي وصرفت له المقررات الدراسية وكان يذاكر ويحضر الاختبارات النهائية فاجتاز الصف الرابع بنجاح وفي السنة التالية انتقلت انا للباحة وانقطع تواصلنا.

لكن الاخ حسن اكمل الصف الخامس ايضا بنجاح واستمر في دراسة الصف السادس بنفس المنوال الا انها حدثت له مشكلة ربما في دراسته للصف الخامس وحسب ظني ان السبب فيها هو تعديل وزارة المعارف سابقا، لنظام الاختبارات من اختبار واحد في نهاية السنة الى اختبارين فصل دراسي اول وفصل ثاني، ولبعد المسافة وصعوبة التواصل لم يعرف بالتعديل الا بعد انتهاء اختبارات الفصل الاول. ورغم تأثره وندمه على ضياع مجهوده الا انه مع بداية الفصل الدراسي الثاني راجع المدرسة على امل يقبلوا عذره ويعيدوا له الاختبارات.

_ كان مدير المدرسة في ذلك الوقت الاستاذ : محمد احمد الوزير رحمه الله، المعروف بادارته الحازمة فقد درسنا وزملائي ايضا اثناء ادارته مرحلتي المتوسطة والثانوية ونعرف اسلوبه الحازم، وعليه فلم يتجاوب معه ولم يقبل عذره رغم وجاهته! ولمن عاصر نظام التعليم في ذلك الوقت مؤكد انه لن يستغرب كثيرا تشدد مدير المدرسة، فقد كانت المدرسة ومديرها ومعلميها وكل مايدور بداخلها من افعال واقوال يخضع لسلطة النظام الدقيق جدا لدرجة انها قد تشبه احيانا في انضباطها، النظام العسكري، اما اذا وصلت الى بعبع الاختبارات فحينها يتلعثم اللسان وترتجف الجوارح وتغشاك الرهبة فقد كان نظام الاختبارات اشبه بالغيبيات! فلا يدري الطالب ماذا اعد له من مكائد وصعاب للايقاع به، ولا يوجد شيء اسمه ملخصات ولا تحديد للدروس ولا حتى مراجعة للدروس الماضية، الحصة الحصة، والمذاكرة المذاكرة والواجبات اليومية هي المتاحة لمن اراد ان يتعلم وفوقها العصا!

وكل هذه الظروف مجتمعة التي كانت في ذلك الزمان كفيلة ببناء حواجز مبالغ فيها احيانا بين الطالب والمعلم والطالب والمدير وربما حتى المعلم والمدير، اوصلت الاثنين الى طريق مسدود، بعد مد وجزر ربما وصل لدرجة العناد، لكن الرجل لم يستسلم رغم قلة الامل، فتوجه لادارة التعليم بجازان كمحاولة اخيرة لبث شكواه وعرض ظروفه التي لم يكن له يد فيها على مدير التعليم الاستاذ محمد سالم العطاس، الذي كما عرف عنه كان منصفا ومراعيا للظروف التي يعرفها جيدا بحكم انه من المنطقة ولذلك قبل العذر،  وزوده بخطاب رسمي من قسم الاختبارات للمدرسة باعادة الاختبارات له، فعاد مزهواً بفرحة الانتصار وبقاء الامل.

_ اعيدت له الاختبارات وتجاوزها بنجاح وتفوق.

ثم يقول: ان الاستاذ محمد الوزير عند تسليمي اشعارا بالنتيجة نظر الى الدرجات ونظر الي وهز راسه وقال بنبرة اعتراف الشجعان:

صحيح، اما تحارب وانت قاحي، والا لا تتعب امفراعة - ودمتم سالمين.

————|\—-

• همسَهـ ....!

اذا لم تراع الكتابة نقل الحقيقة، وتحليل الواقع بعمق ومصداقية، وتستشرف المردود الايجابي على منظومة القيم الدينية والمجتمعية والانسانية وتنمي الذوق العام، فهي اما غش لامانة الكلمة ولها اهداف خبيثة، او جهل من مستكتب خدمته الظروف ليكون في الصورة. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الوجيْه البيْض

​ الوِجِيه البيض عمر الصائغ - القصبة - 1441هـ لو تنتخِي بالوجيِه البيض  ماعمرها خيًَبت ظنك ••  اوتعتزي بالنشَٰامىٰ الصِيْد   كانوا على س...